السيد محمد باقر الصدر
317
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
بالضغط والإكراه كان قد فقد حاجة جوهريّة أخرى ، وهي حاجته إلى الحرّية التي تعبّر عن نزعة أصيلة في نفسه . فالتوفيق الدقيق الحكيم بين حاجة الإنسان الأصيلة إلى الحرّية ، وحاجته الأصيلة إلى شيء من الاستقرار والثقة ، وسائر حاجاته الأصيلة الأخرى هو العمليّة التي يجب أن يؤدّيها المذهب للإنسانيّة إذا حاول أن يكون واقعيّاً قائماً على أسس راسخة من الواقع الإنساني . وأمّا أن تطرح الميول والحاجات الأخرى جانباً ، ويضحّى بها لحساب حاجة أصيلة واحدة كي يتوفّر إشباعها إلى أبعد الحدود كما فعل المذهب الرأسمالي فهذا ما يتعارض مع أبسط الواجبات المذهبيّة . وأخيراً فإنّ موقف الرأسماليّة من الحرّية والضمان لئن كان خطأ فهو مع هذا ينسجم في الإطار العام للتفكير الرأسمالي كلّ الانسجام ؛ لأنّ الضمان ينطوي على فكرة تحديد حرّيات الأفراد والضغط عليها ، ولا تستطيع الرأسماليّة أن تجد لهذا الضغط والتحديد مسوّغاً على أساس مفاهيمها العامّة عن الكون والإنسان . وذلك أنّ الضغط والتحديد قد يستمدّ مبرّره من الضرورة التاريخيّة كما تعتقد الماركسيّة في ضوء المادّية التاريخيّة ، إذ ترى أنّ دكتاتوريّة البروليتاريا التي تمارس سياسة الضغط والتحديد من الحرّيات في المجتمع الاشتراكي تنبع من الضرورة الحتميّة لقوانين التاريخ . ولكنّ الرأسماليّة لا تؤمن بالمادّية التاريخيّة بتسلسلها الماركسي الخاصّ . وقد يستمدّ الضغط والتحديد مبرّره من الإيمان بسلطة عليا تمتلك حقّ تنظيم الإنسانيّة وتوجيهها في حياتها ، ووضع الضمانات المحدّدة لحرّيات الأفراد كما يعتقد الدين ، إذ يرى أنّ للإنسان خالقاً حكيماً من حقّه أن يصنع له وجوده الاجتماعي ، ويحدّد طريقته في الحياة . وهذا ما لا يمكن للرأسماليّة أن تقرّه في ضوء مفهومها الأساسي القائل